الأحد , نوفمبر 19 2017
أخر الأخبار
الرئيسية / الأخبار المحلية / ردا على خطاب الولاية للحوثي

ردا على خطاب الولاية للحوثي

ردا على خطاب الولاية

  • حسن الدوله

لقد اثبت الأستاذ عبدالملك الحوثي أن جماعة انصار الله جماعة ايديولوجية بامتياز ؛ وذلك من خلال خطابه ليلة امس بمناسبة يوم الغدير الذي ظهر فيه كمنظر لمفهوم الولاية من خلال اعتماده على روايات الملاحم وروايات اسباب النزول وهي رويات مختلف فيها ومتناقضة وبخاصة في اسباب نزول الآية رقم( 67) من سورة المائدة ” يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل ما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين” .

وقد نزلت السورة كاملة في منصرف الرسول عليه الصلاة والسلام من الحديبية؛ قال ابن عباس ومجاهد هي مدنية ،وقال جعفر عن مبشر الشعبي هي مدنية كلها إلا قوله” اليوم اكملت لكم دينكم “؛ وبإسناده عن ابي حمزه الثمالي قال: “سمعت ابا عبدالله الصادق عليه السلام يقول نزلت المائدة كملا “. 

ومن قراءة السورة نجدها تشمل اهم الاحكام الشرعية كون الدولة الاسلامية في بداية نشأتها وهي بحاجة للمنهج الرباني الذي يعصم الرسول واتباعه من الزلل وقد كان الرسول متهيبا ابلاغ تلك الأحكام لتعارضها مع الأحكام المقابلة لها في التوراة والانجيل؛ حيث تضمنت هذه السورة احكام العقود؛ واحكام الزواج من الكتابيات؛ واحكام الذبائح؛ والصيد؛ والاحرام ؛ والردة واحكام الطهارة؛ وحد السرقة؛ وحد البغي والإفساد في الارض؛ – حد الحرابة – واحكام الخمر ؛ والميسر وكفارة اليمين ؛وقتل الصيد في الاحرام؛ والوصية عند الموت – لمن ترك خيرا كثيرا – والبحيرة السائبة ؛ والحكم على اهل التوراة والانجيل على من ترك العمل بما انزل الله ؛ وطالبتهم السورة ان يقيموا كتاب الله وفقا لما سيتم ايضاحه فيما يأتي؛ وكلها توضح عكس ما ذهب إليه الأستاذ عبدالملك الحوثي والمفسرون في مجملهم حيث نجدهم قد تركوا النص القرآني وإتجهوا لسماع ما قيل عنه من روايات متضاربة ومتعارضة صاغتها اهواء المذهبيين فيما بعد بما يخدم السياسة ؛ وصار كل يدعي وراثة تلك الولاية ؛ وانقسم القرشيون بين امويين وعباسيين وعلويين والجميع اختزل الرسالة في تبليغ الولاية ناهيك عن قراءة”رسالاته في قوله “وإن لم تفعل ما بلغت رسالته” حيث قرئت بالجمع.

وهكذا كل عمل على لي عنق النص ليوافق هواه وقد توقعت من الأستاذ عبدالملك كزعيم لحركة تتسمى بالمسيرة القرآنية ان يقيم القرآن ويعيد لنص الإية معناها الصحيح المناسب لسياق ورودها في السورة بعد ان شوهته تلك المرويات المتعلقة باسباب النزول المختلف فيها؛ فإذا به يأتينا بما قد قيل قبل الف ومأتي عام بإستدعاء احداث تلك الخلافات عن ولاية الإمام علي التي إن صحت فهي تختص بالإمام علي وحده ولا تمتد إلى عصر من يليه وبخاصة اننا اصبحنا في عصر شرعية الصندوق.

 المهم بعد خطبة طويلة جدا نجد انه لم يات بأي جديد بل غاص في اعماق التأريخ ليستحضر الصراع على السلطة وجعل من أحياء الاحتفال بيوم الغدير انتصارا على من اسماهم بالوهابية. 

والمتدبر لآية “بلغ” وما بعدها وما قبلها يتبين له بما لا يدع مجالا للشك أن الساق مختلف وان السورة في مجملها بعيدة كل البعد عن الولاية فمعاني الآيات لا تدل على الولاية لا من قريب ولا من بعيد وفقا لما سيأتي إيضاحه.

 فما ذهب إليه الأستاذ عبدالملك هو معنى لا ترضاه بلاغة القرآن، وبخاصة ان المفسرين يوردون عدة روايات عن اسباب نزول هذه الآية ، كما ان الزيدية لا تقول بالنص في ولاية الإمام علي عدى فرقة الجارودية التي تلتقي في القول بالنص مع الجعفرية ، فلو كان هناك نص من القرآن أو الحديث لتواتر واستفاض، ولم يقع في الإمامة خلاف منذ يوم السقيفة ولا تم بيعة ابي بكر التي اطلق عليها عمر انها فلتة وقى الله الناس شرها ”

 ولتصدى الإمام علي بنفسه للقيام بأمر المسلمين يوم وفاة النبي عليه افضل الصلاة والسلام ولذكر عمه وابا سيفيان ذلك النص حين طلب منه ابو سفيان ان يمد يده ليبايعه هو وعمه العباس وإذا ما رأى الناس ان عمه قد بايعه فإنهم سيبايعونه إلا انه رد قائلا اغرب عني يا ابا سفيان انك لتكيد للإسلام كيدك له في الجاهليةثم قال نحن يا عم مشغولون بتجهيز رسول الله فانصرفا عنه.

 بينما لو كان هناك نص لخرج الإمام علي ولخطب الناس وذكرهم وبين لهم ما يحسن بيانه في ذلك الوقت ، لكنه عليه السلام لم يفعل ولم يقل ذلك ولا احتج هو ولا احد من آل بيته وانصاره الذين يفضلونه على غيره لا يوم السقيفة ولا يوم الشورى بعد عمر، ولا بعده في زمنه، ولا حين قال لمن سأله مبايعة الحسين ” لا آمركم ولا انهاكم” وهو الذي كان لا تأخذه في الله لومة لائم، ولم يعرف التقية في قول ولا عمل بها، وإنما وجدت تلك المسائل ووضعت لها الروايات، واستنبطت الدلائل بعد تكوين الفرق وعصبية المذاهب.

ودع سياق الآية وما قبلها وما بعدها فإنها نفسها لا تقبل أن يكون المراد بالتبليغ فيها تبليغ الناس إمارة علي فإن جملة “وإن لم تفعل” الشرطية التي بعد جملة “بلغ” الأمر به، وجملة الأمر بالعصمة ، وجملة التعليل ينفي هداية الكافرين في نفس الآية لا يناسب شيء منها تبليغ مسألة الإمارة فتأملوا الآية في ذاتها بعين البصيرة لا بعيد التقليد.

 ناهيك أن السياق من الآية 54 وحتى الآية 70يشير إلى ان الحديث موجه للرسول ان يبلغ اهل الكتاب بالقول :يا محمد انهم ليسوا على شيء والدليل قوله بعد آية “بلغ” مباشرة ” قل : “يا اهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل”

وصحيح ان حديث “من كنت مولاه فعلي مولاه” قد رواه كثيرون كأحمد عن البراء وبريده والترمذي والنسائي والضياء في المختارة من حديث زيد بن ارقم وابن ماجه وحسنه بعضهم وصححه الذهبي إلا انهم اختلفوا في المعنى فقال البعض من اهل السنة ان الحديث لا يدل على ولاية السلطة التي هي الإمامة السياسية أو الخلافة ولم يستعمل هذا اللفظ في القرآن بهذا المعنى، بل المراد بالولاية فيه ولاية النصرة والمودة التي قال فيها في كل من المؤمنين والكافرين “بعضهم أولياء بعض” ومعناه من كنت ناصرا ومواليا له فعلي ناصره ومواليه واضاف بعضهم ان المعنى “من والاني ونصرني فليوال علي وينصره، وحاصله أن يقفوا أثر النبي (ص) فينصر من نصر النبي (ص) وعلى من ينصر النبي (ص) أن ينصر علي وهذه مزية عظيمة.

وقالوا ان الحديث لا يدل على الإمامة بل يدل على نصره إماما ومأموما ولو دل على الإمامة عند الخطاب لكان إماما مع وجود النبي (ص) والشيعة وغيرهم لا يقولون بذلك وللفريقين – الشيعة والسنة – اقوال كثيرة لا يتسع المجال لإستقصائها وهي في مجملها عند الفريقين تؤكد الولاية لعلي وانما يختلفون في معنى الولاية كما أسلفنا كما اننا نجزم بأن كل روايات اسباب النزول والتفاسير كما روي عن احمد بن حنبل لا أصل لها وان السياسة قد تدخلت في تأويل اغلب النصوص.

الخلاصة ان الخطاب اثبت بأن جماعة انصار الله جماعة اسلاموية إيديولوجية بامتياز تُوظّف الدين في السياسة، مثلها مثل داعش والقاعدة والنصرة وكأي جماعة دينية تبشر بصلاح الدنيا والآخرة، وتفرض على أتباعها من خلال الهيمنة الناعمة نمطاً موحداً من الحياة ومن الآمال والأحلام والأوهام، وتوظّف طاقتها الأيديولوجية في التحريض والتعبئة من أجل الثورة والتغيير، ما أدى في معظم الحالات إلى أعمال إرهابية وفوضى وعدم استقرار، وهي أمور يرفضها الإسلام الحقيقي، ولا يدعو إليها.

 ومن خلال خطاب الولاية السالف الذكر يتبين ان الغرض لا علاقة له بولاية الإمام علي من عدمها ، ولا ولاية الله لأحد من عدمها ، وانما هو تأسيس لسلطة انصار الله ونقل ولاية الإمام إليهم ؛ فهم اولياء الله على هذا الشعب، وهذه هي ذات سلطة الخضوع التي نشأت منذ يوم السقيفة وما تلاها؛ ومن وراء حديث الامامة في قريش ما بقي منهم اثنان وما نسب إلى الإمام علي قوله بأنهم قد استشهدوا بالشجرة ونسوا الثمرة – أي علي وذريته – وكل ما نشأ من اضطرابات القرن الأول الهجري الذي يعده البعض العصر الذهبي للإسلام، فالصراع الذي أدى إلى مقتل تسميم ابي بكر ومقتل عمر في الجامع وعثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب، ثم صراع الأمويين ومن بعدهم العباسيين، وحتى يوم الناس هذا إنما هو صراع من اجل الحكم والسيطرة على دنيا الناس باسم الدين وهكذا تم استنزف المسلمين، ما انعكس سلباً على رؤية علماء السياسة الشرعية لفكرة السلم المجتمعي، إذ صار حفظ دماء المسلمين عندهم مقدماً على كل شيء، فوجدنا الجميع يرى أن لا فائدة من الصراع مع السلطة الحاكمة لأجل حكم عادل أو حقوق. هذا كله قاد إلى وجود مسافة بين السلطة والمجتمع والأفراد، فهنا المجتمع بهذه المسافة يأخذ من حصة الدولة وظائف يراها ضرورية بالنسبة إليه، فالرعاية الاجتماعية والرعاية الصحية والتعليم، وظائف قام بها المجتمع بعيداً مِن الدولة.
والله من وراء القصد