الأحد , نوفمبر 19 2017
أخر الأخبار
الرئيسية / الأخبار المحلية / بين تعز وتل أبيب : اسلمت سلمى وإلا تيهودنا !

بين تعز وتل أبيب : اسلمت سلمى وإلا تيهودنا !

بين تعز وتل أبيب : اسلمت سلمى وإلا تيهودنا !

فكري قاسم؛
………………………….
قبل اكثر من 500 سنة ، ظهرتا في السماء نجمتين متقاربتين ظلتا بارزتين قرابة 40يوماً .
وفقا لآباء الديانة اليهودية فأنهما علامة لميلاد ” موري سليم شبزي” اعظم حاخامات يهود اليمن على الإطلاق .
وهو الرجل الذي اتصف بالمعرفة وبالقداسة وذاع صيته في القرن السادس عشر بين المسلمين واليهود كـ ولي من اولياء الله الصالحين .

سكن موري سليم شبزي في مدينة تعز على بعد 260جنوب العاصمة صنعاء ، وهناك اصبح له شأن عظيم ، و”ساقية” احيطت من بعد وفاته سنة 1720م بالكرامات وبالمعجزات. وساد الاعتقاد بأن الاغنسال بمائها عند الصباح الباكر قبل طلوع الشمس لمدة 10 ايام يشفي الجسد السقيم من العلل والامراض.
ومع الوقت اصبح ابناء الطائفة اليهودية يقيمون الى الساقية حجا سنويا يقدمون اليه من جميع انحاء العالم بغرض التداوي والتزود بعض الكرامات.
وتلك الساقية ،على اية حال ،هي عبارة عن عين مياه جارية تعتبر بالنسبة لابناء الطائفة اليهودية بمثابة ماء زمزم بالنسبة الى المسلمين.

تعز سنة 2000م
——————-
على مقربة من قلعة القاهرة الشهيرة في حي ” المغربة” اسفل جبل صبر حيث سكن يهود اليمن القداما هناك ، تقع ساقية الشبزي.
الطريق ، بين الزقاق، الى الساقية أشبه بلعبة تائه يسير بين بيوت شعبية عشوائي مثل ذقن سجين!
ويصعب عليك الوصول الى الساقية من دون دليل ، أو من دون ان يكون لديك حذاء لديه القدرة على التماسك، لأن الازقة المؤدية الى الساقية ضيقة ومرصوفة باحجاره طينية سهلة الإنزلاق.
واما الدخول الى الساقية من بابها الحديدي الصغير إلى حيث تلامس يديك عين الماء القادم من الجبل ، فأنه يتطلب منك الانحناء حتى نصف قامتك لتتمكن من مشاهدة الجرف الغائر والمليء بمياه باردة ومنعشة وصالحة ، بحسب العادة، للاستحمام فقط .
وللساقية المحاطة ببضعة من الاشجار ، رائحة عتيقة بوسعها اخبار الزائرين باستمرار ، عن عراقة هذه العين الجارية التي لم تجف منذ 500 سنة وحتى الان .
وفي محيط الساقية توجد بضعة من البيوت الشعبية الصغيرة لعائلات مسلمة أخلتها وقفا لنزلاء الطائفة اليهودية القادمين الى موسم الحج من غير بلاد .
بين تلك البيوت ، يوجد هنالك بيت الحاج ” ردمان الشرعبي” ذي الدورين الصغيرين والذي اصبح فيما بعد نزلا لـ”سلمى” الجميلة ولوالدتها ” مزنة” اللتين قدمتا من تل ابيب رفقة جروب من 21 شخص ، جاءوا جميعا الى موسم الحج هذا بغرض الاستشفاء من بعض الامراض الجلدية بينهم مزنة التي كانت تشتكي من بعض النتوئات الجلدية .
واخرون قدموا الى موسم الحج بغرض التزود بالكرامات ، تماما مثل ” سلمى” التي كانت ايامها لم تزل خارجة من صدمة نفسية مؤلمة تلقتها قبل اشهر بسبب وفاة والدها يعيش السروري بحادث سير في تل ابيب.
سلمى ذي العينين الخضراوين تتحدث العبرية والانجليزية بطلاقة وتتكلم العربية بلكنة مكسرة وتحفظ كثيرا من المصطلحات اليمنية ، وتحاول التزود بها دائما .
وهي فتاة بيضاء تجاوت الثامنة عشرة ، وفارعة الطول ومنحوتة القوام ، وشعرها الاسود الداكن متروك للريح ، وهي في الأصل من عائلة يمنية يهودية تم تهجيرها سنة 1949 ضمن ماعرف انذاك بصفقة “البساط السحري”و التي تم بموجبها ترحيل اكثر من 50 الف يمني من ابناء الطائفة اليهودية الى اسرائيل .

وهذا هو اليوم الأول لسلمى في نزل الحجيج في بيت الحاج ردمان الشرعبي الذي يرتدي دائما قميصا ابيضا مع كوت اسود وصدرية مخططة بالأخضر والابيض وجزمته معقوفة من الأمام وعاصب راسه بمشدة ملفوفة حول كوفية منقشة لها رائحة عرق عتيق.
وهو قد اصبح رجل مسن ولم يعد بوسعه القيام بمهام رعاية حجيج الساقية واكتفى في ايامه الأخيرة بالاذان في المسجد القريب من الحارة والعودة الى البيت بخطوات متعبة تنتظر وفاء الأجل .

والساعة الان التاسعة ليلا عندما كان يعقوب يتحدث الى مًزنة بتهذب ويسألها إذا ما كانت تحتاج أي شيء قبل ذهابه الى النوم.
ردت سلمى بالشكر نيابة عن والدتها التي كانت قد بدأت بالنعاس ، واخبرها يعقوب قبل مغادرته عن المواعيد المفضلة للاغتسال .
يعقوب البالغ من العمر 26 سنة ، هو ابن الحاج ردمان ويقوم نيابة عن والده المسن في رعاية حجيج الساقية مقابل بعض من الاموال الزهيدة التي عادة ماتذهب لصالح احتياجات الساقية وزوارها.
وهو اسمراني ناحل ، متوسط القامة وحليق الشارب وظريف يحفظ الكثير من النكات وانجليزيته لابأس بها وانهى دراسة ميكانيك السيارات في المعهد التقني بتعز سنة 1998بشهادة دبلوم ويبحث عن فرصة عمل افضل .
وهذا هو اليوم الثاني وسلمى منذ الصباح الباكر وهي تستحم في اول يوم لها من الايام العشر لموسم الحج.

سلمى ويعقوب انسجما مع بعض منذ اليوم الثاني مباشرة واصبحا بسرعة اصحاب يتحدثان عن خصوصيات محرجة .
ومع حلول اليوم الثالث كانا هما اول من يستيقظ يوميا عند الصباح الباكر ويذهبا معا للاستحمام ببكور الماء القادم من اعلى قمة في جبل صبر.
مرت الايام الاربعة الاولى من طقوس موسم الحج وسلمى ويعقوب يعيشان طقوسا اخرى لم يخططا لها من قبل . وفي اليوم الخامس بدأ الحاج رمان يلاحظ تطور العلاقة بين سلمى ويعقوب ، تماما كما لاحظتها مزنة والدة سلمى .
يأت الحب ، احيانا، لأسباب بسيطة جدا، كأن تكون سلمى تسير في الصباح الباكر وهي حافية القدمين وتدوس بقدمها اليمنى زجاجة مرمية على قارعة الطريق المؤدي الى الساقية ، وقام يعقوب لحظتها بموقف طبيعي ، إذ انتزع نتوء الزجاجة من قدمها ، ثم حملها بين ذراعيه الى البيت وهي تتأمل اليه بعيون مليئة بالحب .
اليوم السادس كان حميميا جدا ، تبادلا فيه القبلات داخل البيت لحظة ان كان يجري لقدمها عملية تعقيم بالعطر من اثار جرح الزجاجة .
وفي اليوم السابع كان يعقوب قد تعلم من سلمى بعض الكلمات العبرية مثل “السلام عليكم” و”كيف حالك” و”الى اين انت ذاهب” و”ايش تحب من الطعام”.
وتعلمت سلمى من يعقوب بعض الكلمات والمصطلحات اليمنية مثل : “مال عارك” و”بطاط وسحاوق” و”عصيد ومرق ” واشياء اخرى لها علاقة بالحياة اليومية لشبان اليمن.
في اليوم الثامن تعلمت كيف تقول ليعقوب بطلاقة “أحبك شاموت”. وتعلم يعقوب كيف يهيم بفتاة يعرف جيدا ان الزواج منها مسألة صعبة ومستحيلة !
ومع حلول اليوم التاسع من موسم الحج الى الساقية كان يعقوب يفاتح والده الممدد على الفراش بأنه يحب سلمى ويريد الزواج منها ووجه طلبه ذاك بالرفض والاستهجان وهو موقف طبيعي من عجوز متدين ويعرف بين اهالي الحارة بأمام الجامع.
وهذاهو اليوم العاشر من ايام الحج .
الوقت صباحا ومزنة والجروب المصاحب لها يقفون امام الساقية ، بعد الغتسال ، في مهمة اخيرة لتعبئة الاوعية البلاستيكية سعة 20 ليتر سيحملونه معهم كهدية معتبرة لبعض الاهل والاقارب في تل ابيب ويتهيئون للمغادرة والسفر صباح يوم الغد.
و بالنسبة لسلمى ويعقوب فقد كان المساء حزينا وقاسيا وكانا يقضيان سهرتهما الاخيرة يومها تحت ضوء القمر في سقف البيت .
وبينما كان يعقوب واقفا عند حافة السقف يتأمل الى القمر بصمت كانت سلمى الواقفة خلفه قد ادخلت ذراعيها حول خاصرته واحتضنته بدفء وهي تهمس في اذنه بلهجة يمنية حميمة :
– مال روحي مطنن؟ في أيش بتفكر؟
رد من دون ان يلتفت اليها :
– افكر برب السماء الذي خلقنا كلنا من نطفة واحدة وانزل علينا الديانات من عنده والان يضع امامنا كل هذه العراقيل، ليش؟!

في صباح اليوم الحادي عشر كان كل من في الجروب يضعون حقائبهم ومقتنياتهم التي تزودوا بها في موسم الحج داخل السيارات اللاند كروزر الاربع اللواتي سينقلنهم الان الى عدن .
وكان على يعقوب ان يترك منزله خفية من دون اخبار احد ، وصعد على ذات السيارة التي كانت تنقل سلمى ووالدتها في محاولة اخيرة منه لاشباع ناظريه من سلمى التي احبها وعجز عن تدبر امرا يمكنه من اللحاق بها الى تل ابيب .

تل أبيب 2016
——————
اليوم هو الجمعة من ايام الصيف. وهو اخر ايام الدوام الرسمي بالنسبة لـ ” سلمى ” الجميلة التي تغادر الان بسيارتها الهونداي الحمراء بوابة المستشفى التي تعمل فيها بتل ابيب .
وهي طبيبة اسنان ناجحة ، تهتم بعملها بشكل جيد ، كما تهتم في المقابل ايضا بأجازتها الاسبوعية التي عادة ما تقضيها في ترتيب بيتها المزين بأثاث من الموروث اليمني .
وتبدو سلمى اليوم بالذات بمعنويات مرتفعة اكثر من أي يوم اخر مضى خلال العام الفائت .
والساعة الان قاربت ان تكون الثالثة عصرا وهي تسير في شوارع تل ابيب وتتوقف عند محلات بيع الزينة في مهمة لشراء 15 عشر شمعة وهي تستعد للوصول الى البيت لترتيب مناسبتها السنوية الخاصة .
تسير امور يعقوب بشكل جيد في تل ابيب .
فهو ميكانيكي سيارات مثابر ويتكلم العبرية بطلاقة ، ويدير ورشة الميكنيكا الخاصة به بتفان .
و الساعة تقارب الـ 6 مساء ، عندما كان يعقوب يخرج من تحت احدى السيارات العطلانات وهو يتجه من بعدها الى غرفة مكتبه الخاص في الورشة حيث يوجد حمام خاص يغسل فيه وجهه ويديه ويخلع ملابس العمل الزرقاء ويقوم بارتداء ملابسه الاعتيادية .
ويمكنك وانت متواجدا هناك في مكتب يعقوب داخل الورشة ان تشاهد ثلاثة براويز انيقة بنفس الحجم معلقة عرض الجدار الخلفي لطاولة وكرسي المكتب . حيث يوجد داخل كل برواز من تلك البراويز الخشبية الانيقة صورة لها قيمة كبيرة لدى يعقوب.
ففي البرواز الاول من الشمال توجد صورة الحج ردمان الشرعبي وهو يرتدي ملابسه البشعبية . وفي البرواز الثاني توجد فيه صورة ” اسماعيل وسارة” ابنائه الاثنين .
واما البرواز الثالث الذي يتوسط الصورتين فتوجد داخله نسخة مصورة من خبر صحفي تشرته احدى الصحف المحلية نهاية العام 2000 وتحدثت فيه عن شاب يمني ترك ديانته بسبب فتاة التحق بها الى تل ابيب ويدعى يعقوب ردمان الشرعبي.
وهو اليوم في مزاج متحسن ، ليس لأنه يتهيأ فقط لأجازته الاسبوعية بعد نهاية يوم دوام منهك مع السيارات العطلانة . ولكن لأنه على موعد مع مناسبة عزيزة على قلبه وينتوي الاحتفال بها بطريقته اليمنية الخاصة.

عدن سنة 2000
…………………
كان الوقت عند الغروب لما كان يعقوب واقفا في استراحة الدور الاخير من فندق الصخرة المطل على ميناء عدن حيث ترسوا السفينة الفرنسية التي ستنقل سلمى ووالدتها والجروب المصاحب لهما صباح اليوم الثاني الى تل ابيب ، ولايزال يعقوب يتدبر امرا للحاق بسلمى مهما كلفه ذلك ، فقلبه يخفق بحب كبير .
ومع حلول الصباح الباكر استيقضت سلمى من نومها وذهبت تبحث عن يعقوب في غرفة نومه لكنها لم تجده . ولما سألت عنه موظفي الاستعلامات اخبروها بأنه غادر الغرفة ليلة أمس وترك المفتاح وهي لاتعرف له تلفون ولاعنوان غير محل اقامته في بيت والده المسن على مقربة من الساقية ، وهي في حالة من الحيرة والتوهان وفقدان الحيلة والتدبر .
وفي الظهيرة كانت الشمس حارقة بينما كان جروب حجاج الساقية يقفون في طابور الحصول على التأشيرة و يعرضون هوياتهم لموظفي الجوازات في ميناء عدن قبل ان يصعدوا فرادا وجماعات الى بطن السفينة الفرنسية ، بينما كانت سلمى تحاول التباطوء انذاك وهي تقف في اخر طابور الحصول على التأشيرة وهي تسير بخطوات بطيئة ومتثاقلة على امل ان تشاهد يعقوب ولو لنظرة اخيرة ، ولكنها لم تجده وكان الحزن في عينيها يتسائل لماذا غادرها فجأة وتركها في حيرة من امرها .

تل ابيب 2016
—————-
وصلت سلمى الى البيت وهي مستعجلة فعليها القيام بأمور كثيرة هذا المساء ,
وهي في العادة عندما تصل الى البيت في نهاية دوامها اليومي فأن اول ما تفعله القيام بتغيير ملابس العمل وارتداء ملابس المطبخ المريحة.
ومن ثم وبعد ان تنتهي من ذلك تبدأ باخراج الطعام من الثلاجة واعداد وجبة الغداء. وقد تعلمت من والدتها مزنة كل انواع الطبيخ اليمني.
وعندما تكون سلمى في المطبخ فهي عادة ماتكون تستمع الى اغان يمنية لاتكف معها عن هزهزة راسها طربا . وهي الان تعد طعام الغداء لـ ” سارة وسليم ” الذين وصلا لتوهما الان من المدرسة وهما جائعين .
على سلمى التي تضع الهرد على وجهها ، وعليها ايضا ان تعد لسارة وسليم الغداء اليوم بأسرع وقت ممكن .
واما سارة وسليم اللذين يتقاربا في العمر ، فأنه يتعين عليهما اليوم بالذات ان يتناولا طعام الغداء سريعا ومن ثم سيكون من اللازم عليهما من بعد ذلك ان يذهبا لقضاء الإجازة الاسبوعية رفقة جدتهما “مزنة” التي تعيش في شقة واسعة باحد احياء القدس القديمة صحبة زوجها الجديد ، وهو يهودي من اصل عربي ويعمل في صناعة المنحوتات في محل قديم وليس لديهما أي اطفال .

فوق السفينة الفرنسية سنة 2000
………………………………….
قطعت سفينة النقل الفرنسية الضخمة قرابة 16 ساعة في البحر الأحمر متجهة الى البحر الابيض بغية الوصول الى ميناء مرسليا الفرنسي والتوقف هناك ليوم ، ومن ثم ستستأنف السفينة رحلتها الى تل ابيب وعلى متنها جروب حجاج الساقية .
وكان الوقت باكرا صباح يومذاك عندما كانت سلمى تقف لوحدها في احد الجوانب القريبة من صالة الطعام على سطخ السفينة ،وهي ترتدي ملابسها الاعتيادية تي شرت اصفر وبنطال جينز وتشاهد من هناك البحر وهي تتذكر يعقوب ولديها احساس بأن ديانات السماء ظالمة ولاتدخل الى قلوب البشر.
وفي تلك الاثناء كان جروب الحجج قد توزعوا على طاولات الافطار في صباح هادىء وغير مشمس ، وبينما كانت والدتها تناديها لتأت للافطار ، كان ضابط امن السفينة المصري الثخين يمر من امام سلمى وهو يتحدث بحنق عن راكب مجهول الهوية صعد الى السفينة بطريقة مخالفة .
وكان قبطان السفينة المصري من جنسية فرنسية واقفا لحظتها في قمرة القيادة لما دخل عليه الضابط وراح يحدثة عن الراكب المخالف كمن يقدم بلاغ هام .
تغيرت ملامح القبطان ذي الوجه الاحمر ، وسار لحظتها رفقة ضابط امن السفينة الى غرفة الاحتجاز.
وبينما كانا يسيران في طواريد اجنحة السفينة الضخمة متجهين الى هناك ، كان ضابط الامن يحدث القبطان عن الطريقة التي صعد بها الراكب المحهول الى السفينة ، ويخبره كيف انه تنكر بملابس عمال الميناء عندما كانت السفينة راسية في ميناء عدن ، وكيف انه من تلك اللحظة التي امسك به ضابط الامن وهو يختبىء بين البراميل في خن السفينة بغرفة الشحن ، وهو صامت ولاينطق بغير كلمتين اثنتين فقط ” أسلمت سلمى ، وإلا تيهودنا”
ولما وصلا الى غرفة الاحتجاز جلس القبطان على السرير مقابلا ليعقوب الذي كان مقيدا لحظتها بيديه وجالسا على سرير متهالك وقديم وتبدو على وجهه ملامح التعب والارهاق .
وبينما كان القبطان يسأله بلسان مصري غضوب عن الاسباب التي جعلته يصعد على المركب بتلك الطريقة المخالفة ، وكانت اسئلة القبطان مليئة بالتهديد وبالوعيد بينما يعقوب مواصلا صمته الطويل . حتى تعب القبطان من الاسئلة وجلس على السرير وطلب من يعقوب الكلام .
لم يقل يعقوب اية شيء اكثر من :
” ا جدادنا المصريين عبروا البحر خلف موسى ، وانا عبرت البحر خلف سلمى”. قالها بصوت مهذب وخافت وحزين . وعندها فقط شعر القبطان الستيني ان لافائدة من لغة الوعيد والتهديد ، وماكان منه لحظتها إلا ان ينهض من على السرير ويطلب من ضابط الأمن بطريقة ودودة ان يفك وثاق يعقوب اولا ، ومن ثم سيكون عليه ان يتوجه وان الى مطعم السفينة واخبار الشيف الذي يعرف جيدا مايحب القبطان ان يتناوله ، بأنه سيأت بعد ربع ساعة للافطار ولديه ظيف .
وبينما سار ضابط الامن في الطارود الطويل بخطوات مستعجلة متجها الى المطعم ، كان القبطان يسير رفقة يعقوب بخطوات بطيئة متجهين الى المطعم وقد بدت على وجهه القبطان ملامح استعداده لسماع حكاية يعقوب الحقيقية.
وكان امرا غير مصدقا بالنسبة لسلمى مشاهدة مشاهدة يعقوب ثانية ، وكانت تلك بالنسبة لها اكبر مفاجأة واعظم حدث .

تل ابيب 2016
………………..
يمكنك الان مشاهدة يعقوب وهو يقود سيارته الـ kia السوداء خارجا من الورشة متجها في طريقه عبر شوارع تل ابيب المضائة الى البيت وهو يستمع الى اغان يمنية يهزهز رأسه معها بترنم ينسيه تعب ساعات الدوام الطويلة .
يحب يعقوب ان يقضي عطلة إجازته الاسبوعية في البيت صحبة زوجته سلمى وابنائه الأثنين ، وعادة مايقوم يعقوب في اجازته الاسبوعية بمضغ القات ومتابعة اخبار بلاده المتعبة والبعيدة عبر قنوات التلفزة المحلية او عبر وسائل الاتصال الأجتماعي.
ولكنه اليوم تحديدا يستعد لقضاء اجازة مزدوجة مع سلمى لوحدها فقط دون وجود الابناء .
فهو وسلمى يستعدان اليوم للاحتفال بالذكرى الخامسة عشرة لزواجهما من بعض . ولاشيء يعكر صفو مزاج يعقوب في مثل هذه المناسبات غير تذكره لوالده الذي غادر الحياة سنة 2002 وهو غاضبا منه لأسباب لها علاقة بالله وبالرسول ! لكنه ، ومع كل تذكار لوالده فأن يعقوب لايكف عن قراءة الفاتحة الى روحه الطهورة .
وسلمى الان في غرفة نومها ترتدي ملابس السهرة على الطريقة اليمنية وتضع البخور والعطور على جسدها وتعد الشموع في جو رومانسي على نغمات اغنية الزفة اليمنية .والساعة الان الواحدة ليلا والحب مشتعل .
وهما الان يطفئان الشموع ويتذكرا في جو من المرح عبارة يعقوب الشهيرة التي قالها لـ”مزنة” يومذاك عندما كانا على ظهر السفينة في صالة الطعام وتقدم اليها يعقوب بطلب الزواج من سلمى ، وقبل ان تنطق مزنة بأي كلمة سوى بالرفض او بالقبول ، قال لها يعقوب بصوت جهوري واضح :
– اسمعي ياعمه ، أسلمت سلمى وإلا تيهودنا ”

منذ 15 سنة و”سلمى السروري” و”يعقوب ردمان الشرعبي” يعيشان في تل ابيب معا بسعادة وحب كافيين لأن يرسما لوحة للتعايش بين ديانتين تعتبران الخارج عنهما في حكم المرتد. على ان كليهما لم يعودا متدينين ويعيشا حياتهما في تل ابيب على بركة أله واحد لايفرق بين بني البشر.
وأما الساقية التي لايزال مائها المنعش يتدفق حتى اللحظة ، فقد توقفت مواسم الحج اليها بسبب الأهمال ولم يعد أحد يحج الان الى ساقية الشبزي .
———————-
القصة حقيقية
الاسماء مستعارة